الأربعاء، 7 ديسمبر، 2016

مستحيل أن تزول الديانات وتتلاشى ظاهرة التدين أمام تيار المادية



كل ما يقوله الماديون من أن الديانات سوف تزول ، وأن ظاهرة التدين سوف تتلاشى أمام تيار المادية الجارف ، وإعصار العلم العاصف ، ليس إلا وهما باطلا وخيالا صوره لهم خداع الغرور العلمي الذي غطى على كثير من العقول .
قال العلماء الماديون ما قالوا في تقرير هذه الفكرة الحمقاء وتبريرها ، ونقول لهم : أي دليل مادي أو عقلي أمكنكم أن تقيموه على صحة ما تدعون؟ ليس هناك إلى اليوم دليل واحد يؤيد ما تقولون من أن العلم والدين نقيضان لا يجتمعان فلا بد أن يزول الثاني بوجود الأول ، بل على العكس من ذلك قامت أدلة كثيرة مادية وعقلية على أن الدين يساير العلم ولا يناقضه .
بل كلما تقدم العلم خطوة كان الدين عندها ، وكلما كشف العلم عن سر من أسرار الكون ، كلما برزت حقيقة الألوهية المبدعة جلية واضحة ، وازداد العقلاء المتدينون إيمانا فوق إيمانهم ، بل وكثيرا ما رجع المفتونون بالعلم والمادة عن فتونهم فآمنوا بأن للكون مبدعا يجب أن تتعلق به القلوب وتذل له الجباه .
ولقد أشار القرآن في وضوح إلى أنه لا تنافي بين العلم والدين ، بل نراه في أكثر من آية يوقظ العقول من رقدتها ، وينبه القلوب من غفلتها ويصيح بالناس في لهجة الآمر الصارم أو المنكر اللائم { قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } (1) .
{ وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ } (2) { وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ } (3) .
{ أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ } (4) .
وأخيرا يفتح أمامها كتاب الكون بما حواه من أسرار العلم وعجائب المعرفة التي لا يزال يظهر منها كل يوم جديد وغريب فيقول : { سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ } (5) .
ولقد أنصف بعض علماء الغرب وفلاسفتهم فأكدوا أن هذه النظرية القائلة باضمحلال الدين والتدين أمام تقدم العلم ، نظرية باطلة ، وقرروا أن العلم يخدم الدين ويدعمه ، يقول الدكتور ( ماكس نوردوه ) عن الديانات :" أنها ستبقى ما بقيت الإنسانية ، وستتطور بتطورها ، وستتجاوب دائما مع درجة الثقافة العقلية التي تبلغها الجماعة (6) " .
ويقول ( آرنست رينان ) : " إن من الممكن أن يضمحل كل شيء نحبه ، وأن تبطل حرية استعمال
__________
(1) سورة يونس الآية 101
(2) سورة الذاريات الآية 20
(3) سورة الذاريات الآية 21
(4) سورة الأعراف الآية 185
(5) سورة فصلت الآية 53
(6) الدين للدكتور محمد عبد الله دراز ص 80








العقل والعلم والصناعة ، ولكن يستحيل أن ينمحي التدين ، بل سيبقى حجة ناطقة على بطلان المذهب المادي الذي يريد أن يحصر الفكر الإنساني في المضايق الدنيئة للحياة الأرضية (1) " .
ويعلق المرحوم الأستاذ محمد فريد وجدي على قول رينان السابق فيقول :
" نعم مستحيل أن تتلاشى فطرة التدين في الإنسان ، لأنها أشرف ميول النفس ، وأكرم عواطفها ، . . . ففطرة التدين ستلازم الإنسان ما دام ذا عقل يعقل به القبح والجمال ، وروية يجيلها في الكون والكائنات ، وستزداد فيه هذه الفطرة حياة وقوة على نسبة علو مداركه ، وسمو معارفه (2) " . . . .
وبعد فقد انتهى المبشرون بالمذهب المادي إلى الحقيقة الناصعة ، وقعدوا يلهثون بعد ما أتعبوا أنفسهم في تدعيم مذهبهم والترويج له ، وإذا بهم يرون أنفسهم وعلومهم لا شيء أمام هذا المذهب المحجب بحجب كثيفة وكثيرة ، فلا يكاد العلم يرفع لهم حجابا إلا ويجدون من ورائه حجبا ، ولا ينفك البحث يصل بهم إلى حقيقة إلا ويلمحون من وراء الغيب حقائق أخرى وأعظم . . . وأخيرا يستسلمون أخيرا لمن هو وراء هذه الحجب والمغيبات ، يديرها بعلمه وعلى مقتضى حكمته .
نعم رأينا زعماء هذا المذهب المادي يستسلمون أخيرا لواهب الوجود ، ويلوذون برواق الدين هربا من ماديتهم المتخبطة ، وعلمانيتهم المحيرة ، فهذا ( كونت ) الذي كان يتنبأ بأن فناء الديانات سيكون هو النهاية الحتمية لتقدم العلوم ، قد عاد في آخر أمره متصوفا عجيبا ، وكلل حياته بوضع ديانة جديدة طبعها على غرار النظام الكنسي للديانة الكاثوليكية : في عقائدها ، وطقوسها ، وأعيادها ، وطبقات قساوستها ، رواية كاملة أعاد فصولها ولم يغير إلا أشخاصها " (3) .
" وهذا سبنسر ، ينتهي بأن يقول عن المجهول : ( إنه تلك القوة التي لا تخضع لشيء في العقول ، بل هي مبدأ كل معقول ، وهي المنبع الذي يفيض عنه كل شيء في الوجود ) . . أليس هذا المجهول هو بعينه موضوع الديانات ، يجيئنا الآن باسم آخر على لسان العلم ؟ " (4) .
__________
(1) الدين للدكتور محمد عبد الله دراز ص 80
(2) دائرة معارف القرن العشرين للأستاذ محمد فريد وجدي ، في مادة ( دين ) .
(3) الدين للدكتور محمد عبد الله دراز ص 87 .
(4) المرجع السابق .


مجلة البحوث الإسلامية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق