مقالات مختارة مميزة.

الاثنين، 1 مايو، 2017

هل الفقهاء افتروا على الإسلام في فتواهم بقتل اللوطي ؟

وقفت على بعض المنشورات يزعم صاحبها ان التراث الاسلامي ارتكب خطأ جسيما في تسميته الشاذ جنسيا باللوطي نسبة الى نبي الله لوط عليه السلام ! وانما كان يجب تسميته السدومي نسبة الى سدوم القرية التي سكنها قوم لوط !!
ثم يستمر هذا المتعالم في التعريض بتزوير الفقهاء للدين وتحريفهم لاحكام الشرع، حيث ان القران صريح - حسب زعمه - في الاكتفاء باذاية اللوطي دون قتله خلاف قول الفقهاء الذين افتوا بحرقه وقتله والقائه من جبل الخ. 

-------------------------------
والواقع أن هذا القول ينادي على جهل صاحبه وقلة أدبه بما لا يخفى على من له ادنى معرفة بالعربية وبالفقه الإسلامي وتاريخه. 
1- كلمة "لوطي" ليست منسوبة الى لوط عليه السلام، بل إلى قومه لأنهم أول من سن هذه السنة الخبيثة، ومن قواعد العربية أن المركب الاضافي ينسب لعجزه لا إلى صدره، قال ابن مالك في الخلاصة: "وانسب لصدر جملة، وصدر ما ،،، ركب مزجا ولثان تمما إضافة مبدوءة بابن أو أب ،،، أو ما له التعريف بالثاني وجب"
ثم إن مادة لاط تعني في العربية مطلق الالتصاق، قال ابن منظور: "كل شيء لصق بشيء، فقد لاط به يلوط لوطا"، وهو شيء موجود في اللواط. 
2- السدوم بلدة من بلاد الله تنتمي الى الشام الارض المباركة ،وقد سكنها الانبياء والمرسلون وكثير من الصالحين، فما ذنبها حتى نستهجن ذكرها ونقرنه بفاحشة لم يكن لها فيها امر ولا سعي، وندع نسبة الفاحشة الى أصحابها الفاعلين الذين لعنهم الله الى يوم الدين، اليس هذا من الظلم والجهل الصريح !!
2- قوله تعالى: {واللذان ياتيانها منكم فاذوهما فان تابا واصلحا فاعرضوا عنهما} هذه الاية نقل عن مجاهد أنهافي اللوطي، فيؤذى بالسجن والضرب ونحوه، وهو قول الحنفية في حكم اللواط، وعليها اعتمد هذا المتعالم في رمي الفقهاء بالتزوير. 
والجوب عن ذلك أن نقول: 
أولا: الآية ليست نصا في اللواط، بل ذلك قول نقل عن مجاهد وليس صريحا فيه، قال ابن كثير ونقل عن مجاهد أنها نزلت في الرجلين إذا فعلا لا يكني، وكأنه يريد اللواط، والله أعلم. 
ثانيا: أكثر المفسرين وجمهور المحدثين على ان الاية ليست في اللواط بل هي في الزنا، وهي مع ذلك منسوخة،  وهو قول ابن عباس وسعيد بن جبير وغيرهما، فقد كان هذا الحكم في أول الاسلام ثم نسخه الله تعالى بالحد المعلوم في الزنا، واستظهر ابن جرير انها في زنى الرجل غير المحصن بالمرأة غير المحصنة. 
ومما يدل على انها في الزنا خاصة أن فيها ضميرا يعود على الفاحشة يقينا وليس فيها ذكر اللوطية ولا سبق ذكرها حتى يعود الضمير عليها. قال ابو بكر الجصاص في (احكام القران) : " ولم تختلف الامة في نسخ هذا الحكم في كلتا الايتين"
ثالثا: هذه الاية مسبوقة بما يفسرها وبما هو من جنسها وهي قوله تعالى {واللاتي ياتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن اربعة منكم الاية} واجمع العلماء على ان المراد بالفاحشة هنا فاحشة الزنا، وعلى رأي هذا المغرور يجب ان يكون المراد به السحاق؛ حتى يقع في مقابلة اللواط، ولا يعلم هذا الجاهل ان النبي ص نفسه فسره في الحديث الصحيح بالزنا، وانه قال كما في صحيح مسلم: "خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام  الخ"
رابعا: تفسير الاية باللواط في غاية الضعف والوهن؛  وقال ابن جرير: "انه قول فاسد" ويدل لذلك أن العرب لم يكن اللواط من عادتهم ولا كانوا يعرفونه، وقد جاء عن عبد الملك بن مروان انه قال: والله لولا ان الله ذكر اللواط في القران ما ظننت ان الرجل ينكح الرجل !
-------------------------------
والان يأتي السؤال المطروح وهو: هل الفقهاء زوروا حكم اللوطي وتجاوزوا الاية الى اهوائهم ؟ 
والجواب ان هذا افك كبير، وبهتان عظيم، وحاشا لله ان يفتري فقيه على الله او على دينه او يدع اية صريحة في حكم ما الى الظنون والاجتهادات، وانما هذا ديدن العلمانيين الذين بدلوا جملة الشرائع حين تمكنوا من مقاليد الحكم في بلاد الإسلام. 
وقد بينا معنى الاية، وانه لا علاقة لها باللواط، فيبقى سؤال اخر وهو: من اين جاء الفقهاء بقتل اللوطي، 
والجواب: جاؤوا به من اجماع الصحابة رضي الله عنهم على قتله، ومن حديث صححه جمع من أهل العلم قال ابن القيم رحمه الله  "ولم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قضى في اللواط بشيء لأن هذا لم تكن تعرفه العرب ، ولم يرفع إليه صلى الله عليه وسلم ، ولكن ثبت أنه قال : ( اقتلوا الفاعل والمفعول به ) وحكم به أبو بكر الصديق رضي الله عنه وكتب به إلى خالد بعد مشاورة الصحابة ، وكان علي أشدهم في ذلك، وأجمعت الصحابة على قتله ، وإن اختلفوا في كيفية القتل" (زاد المعاد ) 
------------------
فإن قال لنا قائل، فهل يتعين الحكم بقتل اللوطي، قلنا له: من قتله من الحكام فهو معذور في حكمه لأن له سلفا فيه، ومن اكتفى بتعزيره كان له ذلك ايضا، لأن قضاء الصحابة كان تعزيرا ولم يكن حدا يحرم تبديله. 
فثبت بكل ما ذكرنا غرور هذا المفتون وقلة ادبه وكذبه على الفقهاء، وانا لله وانا اليه راجعون.
عبد الحميد بنعلي

Popular Posts

Recent Posts

Unordered List

Text Widget

يتم التشغيل بواسطة Blogger.